ابن كثير

36

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى بني قريظة لينزلوا على حكم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فاستشاروه في ذلك فأشار عليهم بذلك وأشار بيده إلى حلقه ، أي إنه الذبح ، ثم فطن أبو لبابة ورأى أنه قد خان اللّه ورسوله ، فحلف لا يذوق ذواقا حتى يموت أو يتوب اللّه عليه ، وانطلق إلى مسجد المدينة فربط نفسه في سارية منه ، فمكث كذلك تسعة أيام حتى كان يخر مغشيا عليه من الجهد حتى أنزل اللّه توبته على رسوله ، فجاء الناس يبشرونه بتوبة اللّه عليه ، وأرادوا أن يحلوه من السارية ، فحلف لا يحله منها إلا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بيده ، فحله ، فقال : يا رسول اللّه : إني كنت نذرت أن أنخلع من مالي صدقة ، فقال « يجزيك الثلث أن تصدق به » . وقال ابن جرير « 1 » : حدثني الحارث حدثنا عبد العزيز حدثنا يونس بن الحارث الطائفي حدثنا محمد بن عبيد اللّه بن عون الثقفي عن المغيرة بن شعبة قال : نزلت هذه الآية في قتل عثمان ، رضي اللّه عنه يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ الآية . وقال ابن جرير « 2 » أيضا : حدثنا القاسم بن بشر بن معروف حدثنا شبابة بن سوار حدثنا محمد بن المحرم قال لقيت عطاء بن أبي رباح فحدثني قال : حدثني جابر بن عبد اللّه أن أبا سفيان خرج من مكة فأتى جبريل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال : إن أبا سفيان بمكان كذا وكذا ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « إن أبا سفيان في موضع كذا وكذا فأخرجوا إليه واكتموا » فكتب رجل من المنافقين إليه إن محمدا يريدكم فخذوا حذركم فأنزل اللّه عز وجل لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ الآية ، هذا حديث غريب جدا ، وفي سنده وسياقه نظر . وفي الصحيحين قصة حاطب بن أبي بلتعة أنه كتب إلى قريش يعلمهم بقصد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إياهم عام الفتح ، فأطلع اللّه رسوله على ذلك ، فبعث في إثر الكتاب فاسترجعه واستحضر حاطبا فأقر بما صنع ، وفيها فقام عمر بن الخطاب فقال يا رسول اللّه : ألا أضرب عنقه ، فإنه قد خان اللّه ورسوله والمؤمنين ؟ فقال : « دعه فإنه قد شهد بدرا ، وما يدريك لعل اللّه اطلع على أهل بدر فقال : اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم » « 3 » . قلت : والصحيح أن الآية عامة ، وإن صح أنها وردت على سبب خاص ، فالأخذ بعموم اللفظ لا بخصوص السبب عند الجماهير من العلماء . والخيانة تعم الذنوب الصغار والكبار اللازمة والمتعدية . وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ الأمانة ، الأعمال التي ائتمن اللّه عليها العباد ، يعني الفريضة . يقول : لا تَخُونُوا لا تنقضوها « 4 » . وقال في رواية : لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ ، يقول بترك سنته وارتكاب معصيته .

--> ( 1 ) تفسير الطبري 6 / 220 . ( 2 ) تفسير الطبري 6 / 220 . ( 3 ) تقدم الحديث مع تخريجه في الآية 9 ، من هذه السورة . ( 4 ) انظر تفسير الطبري 6 / 221 .